العيني

270

عمدة القاري

أبي داود بالعكس . قلت : قال النووي : الجمع بينهما بأن يكون مأموراً بالمعرفة في حالتين ، فيعرف العلامات أول ما يلتقط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها ، ثم بعد تعريفها سنة إذا أراد أن يتملكها فيعرفها مرة أخرى معرفة وافية محققة ليعلم قدرها وصفتها لاحتمال أن يجيء صاحبها فيقع الاختلاف في ذلك ، فإذا عرفها الملتقط وقت التملك يكون القول قوله ، لأنه أمين . واللقطة وديعة عنده ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون : ثم ، في الروايتين بمعنى : الواو ، فلا يقتضي ترتيباً ، فلا يقتضي تخالفاً يحتاج إلى الجمع . قلت : خروج : ثم ، عن معنى التشريك في الحكم والمهلة والترتيب إنما يمشي على قول الكوفيين ، فتكون حينئذ زائدة ، وذلك إنما يكون في موضع لا يخل بالمعنى ، وههنا لا وجه لما قاله ، ولئن سلمنا أنه يكون بمعنى : الواو ، و : الواو ، أيضاً تقتضي الترتيب على قول البعض ، فلا يتم الجواب بما قاله . فإن قلت : هذا العرفان واجب أم سنة ؟ قلت : قيل : واجب لظاهر الأمر ، وقيل : مستحب ، وقيل : يجب عند الالتقاط ، ويستحب بعده ، قوله : ( فضالَّة الغنم ؟ ) أي : ما حكم ضالة الغنم ؟ قوله : ( قال : لك ، أو لأخيك أو الذئب ) ، كلمة : أو ، فيه للتقسيم والتنويع ، والمعنى : إن ضالة الغنم لك إن أخذتها وعرفتها ، ولم تجد صاحبها . قوله : ( أو لأخيك ) يعني : إن أخذتها وعرفتها وجاء صاحبها فهي له ، وأراد به الأخ في الدين ، وهو صاحب الغنم . قوله : ( أو للذئب ) يعني : إن تركتها ولم يتفق آخذ غيرك فهي طعمة للذئب غالباً ، لأنها لا تحمي نفسها ، وذكر الذئب مثال ، وليس بقيد ، والمراد جنس ما يأكل الشاة ويفترسها من السباع ، ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة ، كما سيأتي بعد أبواب ، فقال : خذها فإنما هي لك . . . إلى آخره ، وهو صريح بالأمر بالأخذ ، وفيه رد على أحمد في إحدى روايتيه أنه يترك التقاط الشاة ، وبه تمسك مالك في أنه يأخذها ويملكها بالأخذ ، ولو جاء صاحبها لأنه صار حكمه حكم الذئب فلا غرامة ، ورد عليه بأن اللاَّم ليست للتمليك لأن الذئب لا يملك وإنما يأكلها الملتقط بالضمان ، وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط فإنه يأخذها لأنها باقية على ملكه . قوله : ( قال : ضالة الإبل ؟ ) أي : ما حكم ضالة الإبل ؟ قوله : ( فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : تغير وجهه من الغضب ومادة تمعر : ميم وعين مهملة وراء ، وأصله في الشجر إذا قل ماؤه فصال قليل النضرة عديم الإشراق ويقال للوادي المجدب : أمعر ، وقال بعضهم : ولو روى بالغين المعجمة لكان له وجه ، أي : صار بلون المغرة ، وهي حمرة شديدة إلى كمودة ، ويقويه قوله في رواية إسماعيل بن جعفر : فغضب حتى احمرت وجنتاه ، أو وجهه . قلت : إذا لم تثبت فيه الرواية فلا يحتاج إلى هذا التعسف . قوله : ( ما لك ) ، يعني : ليس لك هذا ، ويدل عليه رواية سليمان بن بلال عن ربيعة التي سبقت في كتاب العلم ، فذرها حتى يلقاها ربها . قوله : ( معها حذاؤها ) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة ممدوداً ، أي : خفها . قوله : ( وسقاؤها ) ، السقاء بالكسر في الأصل ظرف الماء من الجلد ، والمراد به هنا : جوفها ، وذلك لأنها إذا شربت يوماً تصبر أياماً على العطش ، وقيل : المراد به عنقها لأنها تتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها ، فلا تحتاج إلى ملتقط . وما يتعلق به الحكم قد مضى في كتاب العلم ، ولنذكر شيئاً نزراً . اختلف العلماء في ضالة الإبل : هل تؤخذ ؟ على قولين : أحدهما : لا يأخذها ولا يعرفها ، قاله مالك والأوزاعي والشافعي لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل . الثاني : أخذها وتعريفها أفضل ، قاله الكوفيون : لأن تركها سبب لضياعها . وفيه قول ثالث : إن وجدها في القرى عرفها ، وفي الصحراء لا يعرفها . وقالت الشافعية : الأصح أنه إن وجدها بمفازة فللقاضي التقاطها للحفظ ، وكذا لغيره ، ويحرم التقاطها للتملك ، وإن وجدها بقرية فيجوز التملك . وقال ابن المنذر : وممن رأى ضالة البقر كضالة الإبل طاووس والأوزاعي والشافعي وبعض أصحاب مالك ، وقال مالك والشافعي في ضالة البقر : إن وجدت في موضع يخاف عليها فهي في منزلة الشاة ، وإلاَّ فكالبعير ، وقيل : إن كانت لها قرون تمنع بها فكالبعير وإلاَّ فكالشاة ، حكاه ابن التين ، وقال القرطبي : عندنا في البقر والغنم قولان ، ورأى مالك إلحاقها بالغنم ، ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع ، وكان هذا تفصيل أحوال لا اختلاف أقوال ، ومثلها جاء في الإبل إلحاقاً بها . واختلف في التقاط الخيل والبغال والحمر ، فظاهر قول ابن القاسم : الجواز ، ومنعه أشهب وابن كنانة ، وقال ابن حبيب : والخيل والبغال والعبيد كل ما يستقل بنفسه ويذهب ، هو داخل في الضالة ، وقال ابن الجوزي : الخيل والإبل والبقر والبغال والحمير والشاة والظباء : لا يجوز عندنا التقاطها إلاَّ أن يأخذها الإمام للحفظ ، وفي ( التوضيح ) : إذا عرف المال وشبهه وانقضى الحول أو قبله ، وجاء صاحبه أخذه بزيادته المتصلة ، وكذا المنفصلة إن حدثت قبل التملك ، وإن حدثت بعده رجع فيها دون الزيادة .